محمد سعيد رمضان البوطي
350
فقه السيرة ( البوطي )
هذا الحيّ من قريش ، إذ كانوا إمام الناس وأهل البيت والحرم ، وصريح ولد إسماعيل عليه السلام وقادة العرب ، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوّخها الإسلام ، عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا عدوانه ، فدخلوا في دين اللّه تعالى أفواجا ، كما قال تعالى : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( 2 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً ( 3 ) [ النصر : 1 - 3 ] . ونحن لا نرى حاجة - في هذا المجال - إلى سرد تفاصيل هذه الوفود وأخبارها إذ لا يوجد كبير غرض لنا في هذا التفصيل . العبر والعظات : أتذكر خبر أولئك الذين استقبلوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم أن هاجر إلى الطائف ، شر استقبال ، أخرجوه من ديارهم شر إخراج ، وألحقوا به سفهاءهم وصبيانهم يضربونه ويؤذونه ويسخرون منه ؟ . . تلك هي ثقيف التي سعت اليوم إليه ودخلت في دين اللّه تعالى صادقة طائعة . وهل تذكر إذ قال زيد بن حارثة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد عاد أدراجه من الطائف إلى مكة : كيف تدخل عليهم يا رسول اللّه وهم أخرجوك ؟ فأجابه عليه الصلاة والسلام : « يا زيد إن اللّه جاعل لما ترى فرجا ومخرجا ، وإن اللّه ناصر دينه ومظهر نبيه » ! . إن ما حدث اليوم هو مصداق ما قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لزيد ، فتلك هي الطائف ، وهذه مكة وشتى قبائل وبطون العرب قد سعت جميعها تدخل في دين اللّه أفواجا . ثم تعال فتأمل ! . . تأمل في كل ذلك الإيذاء الذي رآه من ثقيف والخيبة التي فوجىء بها بعد أن هاجر ساعيا على قدميه يعبر إليهم جبالا وأودية قاصية مؤملا عندهم استقبالا كريما أو استجابة حسنة . إن أدنى ما يترك ذلك في نفس الإنسان - أيا كان - من الناس من الأثر ، أن يفكر في الانتقام أو أن يقابل إساءة بمثلها . ولكن أين تجد هذا - أو حتى شيئا من هذا - في نفس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تجاه ثقيف ؟ لقد حاصر الطائف أياما ثم أمر أصحابه بالرجوع ، فقيل له : ادع على ثقيف ، فأبى ذلك ورفع يديه يقول : « اللهم اهد ثقيفا وأت بهم مؤمنين » ! . . ولما استجاب اللّه دعاء رسوله فجاء وفد ثقيف إلى المدينة ، تسابق أبو بكر الصديق والمغيرة بن شعبة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبشّرانه بذلك ، لما يعلم كل منهما من شدة سرور